محمد بن جرير الطبري
86
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
شهادة لغيره ، أو من قد قام بشهادته ، فلزمه لذلك هذا الاسم ؛ كان معلوما أن المعني بقوله : وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا شهود الدين من وصفنا صفته ممن قد استرعى شهادة أو شهد ، فدعي إلى القيام بها ، لأَن الذي لم يستشهد ولم يسترع شهادة قبل الإِشهاد غير مستحق اسم شهيد ولا شاهد ، لما قد وصفنا قبل . مع أن في دخول الأَلف واللام في " الشهداء " دلالة واضحة على أن المسمى بالنهي عن ترك الإِجابة للشهادة أشخاص معلومون قد عرفوا بالشهادة ، وأنهم الذين أمر الله عز وجل أهل الحقوق باستشهادهم بقوله : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ وإذا كان ذلك كذلك ، كان معلوما أنهم إنما أمروا بإجابة داعيهم لإِقامة شهادتهم بعد ما استشهدوا فشهدوا ؛ ولو كان ذلك أمرا لمن أعرض من الناس فدعي إلى الشهادة يشهد عليها لقيل : ولا يأب شاهد إذا ما دعي . غير أن الأَمر وإن كان كذلك ، فإن الذي نقول به في الذي يدعى لشهادة ليشهد عليها إذا كان بموضع ليس به سواه ممن يصلح للشهادة ، فإن الفرض عليه إجابة داعيه إليها كما فرض على الكاتب إذا استكتب بموضع لا كاتب به سواه ، ففرض عليه أن يكتب ، كما فرض على من كان بموضع لا أحد به سواه يعرف الإِيمان وشرائع الإِسلام ، فحضره جاهل بالإِيمان وبفرائض الله فسأله تعليمه ، وبيان ذلك له أن يعلمه ويبينه له . ولم نوجب ما أوجبنا على الرجل من الإِجابة للشهادة إذا دعي ابتداء ليشهد على ما أشهد عليه بهذه الآية ، ولكن بأدلة سواها ، وهي ما ذكرنا . وقد فرضنا على الرجل إحياء ما قدر على إحيائه من حق أخيه المسلم . والشهداء : جمع شهيد . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ يعني بذلك جل ثناؤه : ولا تسأموا أيها الذين تداينون الناس إلى أجل أن تكتبوا صغير الحق ، يعني قليله أو كبيره يعني أو كثيره إِلى أَجَلِهِ إلى أجل الحق ، فإن الكتاب أحصى للأَجل والمال كتابة الدين . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن شريك عن ليث ، عن مجاهد : وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ قال : هو الدين . ومعنى قوله : وَلا تَسْئَمُوا لا تملوا ، يقال منه : سئمت فأنا أسأم سآمة وسأمة ، ومنه قول لبيد : ولقد سئمت من الحياة وطولها * سؤال هذا الناس : كيف لبيد ومنه قول زهير : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ثمانين حولا لا أبا لك يسأم يعني مللت . وقال بعض نحويي البصريين : تأويل قوله : إِلى أَجَلِهِ إلى أجل الشاهد ، ومعناه : إلى الأَجل الذي تجوز شهادته فيه . وقد بينا القول فيه . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ يعني جل ثناؤه بقوله : ذلكم اكتتاب كتاب الدين إلى أجله ، ويعني بقوله أقسط : أعدل عند الله ، يقال منه : أقسط الحاكم فهو يقسط إقساطا وهو مقسط ، إذا عدل في حكمه ، وأصاب الحق فيه ، فإذا جار قيل : قسط فهو يقسط قسوطا ، ومنه قول الله عز وجل : وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً يعني الجائرون . وبمثل ما قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله : ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ يقول : أعدل عند الله . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ يعني بذلك جل ثناؤه : وأصوب للشهادة . وأصله من قول القائل : أقمته من عوجه ، إذا سويته فاستوى . وإنما كان الكتاب أعدل عند الله وأصوب لشهادة الشهود على ما فيه ، لأَنه يحوي الأَلفاظ التي أقر بها البائع والمشتري ورب الدين والمستدين على نفسه ، فلا يقع بين الشهود اختلاف في ألفاظهم بشهادتهم لاجتماع شهادتهم على